المقريزي
553
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
مسيرها إلى حيث هو سائر ، وكان يقصد بهذا أنه إن كان لأحد من أعدائه عين عليه ، فإنه إذا سارت عساكره أخذت إلى جهة من الجهات طار حينئذ بخبر مسيرها إليه ، فيتأهب إمّا للقائه أو إلى الفرار منه ، فإذا سار هو إلى غير تلك الجهة لم يشعر عدوّه به إلا وقد طرقه بغتة من جهة لم تخطر بباله قطّ . وله في هذا العمل من المكائد والمكر الذي لم يفطن به أحد وخفي على كلّ فطن ما لا يعدّ كثرة . من ذلك أنه لما نزل على دمشق تجاه العساكر أشاع أنه قلّ عنده الزّاد والعلف بحيث أعوزه ذلك ، ثم رحل عن موضعه يوهم أنّه يقصد جهة بغداد حتى يطمئنوا ، ثم يطرقهم بغتة على حين غفلة ، فلم يحوجوه إلى ذلك وفرّوا . واتفق أنه لما دخل بلاد الهند نازل قلعة منيعة لا ترام لعلوّها ، وتعذّر النّزول حولها ، فناوش أهلها من بعيد ، وهم يرمونه من أعلاها حتى قتلوا كثيرا من العسكر ، وكان من جماعته محمد قاوجين ، وكان عنده بمكان مكين وله به اختصاص زائد بحيث يقدّمه على جميع الأمراء والوزراء . فجلس على عادته يلاعبه الشّطرنج ، فقال : يا مولانا هب أنّا فتحنا هذه القلعة بعد أن أصيب منا جماعة ، هل يفي هذا بذا . فلم يجبه تيمور بل طلب رجلا من مرقداريّة المطبخ قبيح المنظر زريّ الحال وسخ الثّياب مسودّ الوجه واليدين بالدّخان يقال له : هراملك ، فعند ما وقع بصره عليه أمر بنزع ثياب قاوجين عنه ، فنزعت ، ثم أمر بنزع خلقان هراملك ، فنزعت وألبس كلّا منهما ثياب الآخر ، وطلب دواوين محمد قاوجين وألزمهم بتعيين ماله من صامت وناطق وعقار وإقطاع وغير ذلك ، فكتبوا جميع ماله وما يتعلق به وينسب إليه حتى زوجاته ، فأنعم بالجميع على هراملك ثم أقسم لئن كلّم أحد قاوجين أو ما شاه أو أكل معه لقمة فما فوقها أو راجعني في أمره أو شفع فيه لأجعلنّه مثله . ثم أمر به فسحب على وجهه وطرد ، فأقام في أسوأ حال حتى مات تيمور ، فردّ عليه السلطان خليل ما كان له ، كل ذلك من أجل أنه اعترض عليه في شيء فعله ، فلهذا وأشباهه لم يكن أحد